ابن عجيبة
24
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وفي تفسيره مواقف تبرز عقيدته السنية ، ومن ذلك رده القوى على الفرق المخالفة ، ودحض آرائهم ، كلما عرضت مسألة من المسائل الخلافية ، وإبراز رأى أهل السنة فيها . وقد خص رضى اللّه عنه إحدى رسائله ببيان ما يدين به ، وهي ( رسالة العقائد ) ، ومن أقواله في هذه الرسالة لأحد مريديه : ( عليك أن تعتقد أن اللّه موجود قبل الأكوان ، قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدى لا نهاية له . . وأنه ليس بجسم مصور ، ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل الأجسام ، لا في التقدير ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ، ولا تحله الجواهر ، ولا بعرض ، ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجودا ، ولا يماثله موجود ، وليس كمثله شئ ، ولا هو مثل شئ ، وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأنظار ، ولا تحيط به الجهات . هو أقرب إلى العبد من حبل الوريد ، وهو على كل شئ شهيد ، لا يماثل قربه قرب الأجسام ، كما لا تماثل ذاته ذوات الأجسام ، وأنه لا يحل فيه شئ ، ولا يحل فيه شئ ، تعالى عن أن يحويه مكان ، كما تقدس عن أن يحده زمان . . ) « 1 » وفي قضية الاستواء على العرش يقول : ( عليك أن تعتقد أن اللّه مستو على العرش ، على الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده ، استواء منزها عن المماسة والاستقرار ، والتمكن والحلول والاشتغال ، لا يحمله العرش بل العرش ، وحملته محمولون بلطائف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش وفوق كل شئ ) « 2 » . تصوفه بعد أن نال الشيخ ابن عجيبة الحظ الأوفر ، والنصيب الأكبر من علوم عصره ؛ العقلية والنقلية ، وحصّل منها ما جعله حائزا لرئاسة العلم في بلاده ، حبب إليه سلوك طريق التصوف ، وواكب في هذا الوقت ظهور حركة الشيخ العربي الدرقاوى ، مجدد الطريق الشاذلي في الألف الثاني ، ووجد الشيخ ابن عجيبة في الدرقاوى شيخا استجمع آداب الرائد المربى ، فاتصل بالشيخ محمد البوزيدى الغماري ، التلميذ للشيخ الدرقاوى ، وأخذ عنه الطريقة الدرقاوية الشاذلية . وقد عقد شيخنا رضي الله عنه فصلا كاملا في فهرسته « 3 » ، سجل فيه تجربته الفريدة في تصوفه ومجاهداته ، وهي مجاهدات لا يطيقها إلا الصادقون المخلصون ، وسرعان ما أثمرت مجاهداته المخلصة . وفاضت بحار علومه ، وأشرقت في صدره أنوار العرفان ، ووقع له الفتح الكبير ، والمدد الصافي الغزير . وأعطى شيخنا مرتبة الإمامة والاقتداء ، والتربية ، والتكميل ، وكان له في ذلك باع طويل . يقول عنه الشيخ الكوهن : ( كان نظره إكسيرا ، إذا أتاه أو التقى معه من يعرفه ، يرقيه في ميدان حسنات الأبرار سيئات المقربين ، حتى كثرت على يديه الأتباع والمريدون ، وحصل لهم تنوير الباطن ، ونالوا مقامات العارفين ) « 4 » . ويقول عنه العسكري : ( كان حجة الطائفة الدرقاوية مبينا لأحكامها ، وناشرا لأعلامها ، سبر على علومها حتى صار ينبوعا لشموسها ، وأقمارها ونجومها ) « 5 » .
--> ( 1 ، 2 ) مخطوط رسالة العقائد ص 81 - 82 . ( 3 ) انظر الفهرسة ص 53 وما بعدها . ( 4 ) جامع الكرامات العلية - 163 . ( 5 ) م . طبقات أصحاب الدرقاوى - 142 .